الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
55
نفحات القرآن
و « الطائر » : في الأساس ، هو الطير ويراد به العمل أو كتاب الأعمال حسب قول الكثير من المفسرين ، ويعود هذا الربط إلى العادات والتقاليد العربية حيث كانوا يتفاءلون للخير والشر بواسطة الطيور ، فبعض الطيور يبشر بالسعادة واليمن والبركة ، فإذا عرض لهم هذا الطير أثناء خروجهم من منزلهم أو من مدينتهم استبشروا ورأوا ذلك دليلًا على الانتصار والنجاح ، وعلى عكس بعض الطيور التي يعتقدون بأنّها نذير شؤم ، فالطائر يستخدم للتفاؤل والتشاؤم معاً ، لذا فقد قال بعض المفسرين إنّ ما يقابل كلمة طائر في اللغة الفارسية هو ( البخت ) ومن هنا يعتبر القرآن الكريم أنّ العامل الرئيس للسعادة والشقاء هو أعمال الإنسان ، وقد استعملت هذه الكلمة للتعبير عن كتاب هذه الأعمال ، وبهذا المعنى فقد صنع القرآن الكريم من مفهوم خرافي لا أساس له حقيقة واقعية ودعا الناس إليها ، مع الأخذ بنظر الاعتبار جملة : « وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً » حيث يمكن القول أنّ تفسير الطائر بالعمل أنسب من تفسيره بكتاب الأعمال وذلك لأنّه ذكر كتاب الأعمال بشكل مستقل فلكون الأعمال متعلقة بعنق الإنسان فهي لا تنفك عنه أبداً ، فإن كان العمل صالحاً فيسعد ويأنس به صاحبهُ وإن كان سيئاً فيؤذي صاحبه كالغل أو السلسلة . وهناك مسألتان اخريان في هذه الآية : الأولى : عرض كتاب الأعمال يوم القيامة واطلاع الآخرين عليه ، فيكون عاملًا في فضيحة صاحبه لدى جميع الخلائق . الثانية : إنّ كتابة صحيفة الأعمال واضحة بحيث لا حاجة إلى الحسيب بل يكفي أن يطلع الإنسان على أعماله ويحاسب نفسَهُ بنفسهِ . فكما يدلّل اصفرار اللون والكآبة على وجود حالة مرضية كذلك تدلّل الطراوة وامتلاء الوجنات والنشاط على الصحة والسلامة ، وبهذا يستطيع المريض أن يحكم على نفسه بالمرض أو السلامة ولا حاجة لشهادة الآخرين .